أحمد بن علي الرازي

97

شرح بدء الأمالي

ينقص من رزق المسىء بإساءته ولا يزيد رزق المحسن بإحسانه . فتبين بهذه الدلائل : أن الكسب فريضة ، وتركه رخصة ، وإنكاره بدعة ، ومن لم يره فرضا كالصلاة كان كراميا « 1 » ومباحيا « 2 » ؛ فإنهم تركوا العبودية والكسب وداوموا على

--> - المكتوب من غير حيلة منه ، ولا شقاء كما ورد في دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » . وقوله : « لا حول ولا قوة إلا بالله » . فالرزق المكتوب يأتي للمتقى بلا حول منه ولا قوة ولا حيلة ولا سبب يعرفه . ( 1 ) كراميا : أي من اتباع محمد بن كرام السجزي المتوفى سنة 251 ، وأسرفوا في إثبات الصفات حتى انتهوا إلى التجسيم والتشبيه . ( 2 ) قوله : والكسب فريضة ، وتركه رخصة ، وإنكاره بدعة ، ومن لم يره فرضا كالصلاة كان كراميا ومباحيا قول غير صحيح بل باطل ؛ فالفرض والواجب بمعنى واحد عند الجمهور وهو الفعل الّذي طلبه الشارع طلبا جازما ، فيمدح فاعله ويذم تاركه ، إلا المخير لا يذم تاركه إلا إذا تركه مع الآخر ، والكفاية لا يذم تاركها إذا قام بها غيره ، وليست الصلاة كالكسب بل دلت الدلائل على فرضية الصلاة في الكتاب والسنة ، ودلت على كفر تاركها فضلا عن منكرها ، ولم يدل دليل على فرضية الاكتساب وكفر تاركه كما ذكر المؤلف بل هو من باب المباح الّذي معناه في الأصول : جواز الفعل والترك من غير ترجيح بينهما ، وحكمه أنه لا يستوجب مدحا ، ولا ذما ، ولا لوما ، ولا عتابا . واختلف العلماء في فضل العمل بالاكتساب أو تركه ، والأفضل منهما على حسب الحال . قال أبو حامد الغزالي في : « الإحياء » : التعفف والتستر أولى من البطالة ، بل من الاشتغال بالعبادات البدنية ، وترك الكسب أفضل لأربعة : عابد بالعبادات البدنية أو رجل له سير بالباطن ، وعمل بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات ، أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ينتفع الناس به في دينهم ؛ كالمفتى والمفسر ، والمحدث ، وأمثالهم ، أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين وقد تكلف بأمورهم كالسلطان والقاضي والشاهد ، فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب أ . ه . قلت : والأدلة التي ساقها المؤلف لا تدل على الوجوب ؛ فهو يقتفى أثر أئمته في المذهب الحنفي في فرضية الاكتساب واستدلوا بآيات من كتاب الله لا تدل على أن الاكتساب فرض واستدلوا بأحاديث ضعيفة ، لا تقوم بها حجة ، وأشهر من صنف في الاكتساب من الأحناف هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة فقد جمع في ذلك كتابا أسماه : « الاكتساب في الرزق المستطاب » وهذا الكتاب ذهب فيما ذهب من الذخائر الإسلامية ولم يصل إلى أيدينا غير أنه بقي لنا مختصره لتلميذه محمد بن سماعة ، وبدء المؤلف كتابه بقوله : طلب الكسب فرض -